ابن أبي الحديد
221
شرح نهج البلاغة
فقد كان من أمرنا ما قد بلغك ، وكنا نحن وعدونا على حالين مختلفين ، يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ، ويسؤهم منا أكثر مما يسرهم ، على اشتداد شوكتهم ، فقد كان علا أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة ، ونوم به الرضيع ، فانتهزت الفرصة منهم في وقت إمكانها ، وأدنيت السواد من ( 1 ) السواد ، حتى تعارفت الوجوه ، فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين . فكتب إليه الحجاج : أما بعد ، فقد فعل الله بالمسلمين خيرا ، وأراحهم من بأس الجلاد ، وثقل الجهاد ، ولقد كنت أعلم بما قبلك ، فالحمد لله رب العالمين ، فإذا ورد عليك كتابي فاقسم في المجاهدين فيئهم ، ونفل ( 2 ) الناس على قدر بلائهم ، وفضل من رأيت تفضيله ، وإن كانت بقيت من القوم بقية فخلف خيلا تقوم بإزائهم ، واستعمل على كرمان من رأيت ، وول الخيل شهما من ولدك ، ولا ترخص لأحد في اللحاق بمنزله دون أن تقدم بهم على ، وعجل القدوم إن شاء الله . فولى المهلب يزيد ابنه كرمان ، وقال له : يا بنى ، إنك اليوم لست كما كنت ، إنما لك من كرمان ما فضل عن الحجاج ، ولن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك ، فأحسن إلى من تبعك ، وإن أنكرت من إنسان شيئا فوجه إلى ، وتفضل على قومك ، [ إن شاء الله ] ( 3 )
--> ( 1 ) أي قربت ما بين الفريقين . ( 2 ) قال المبرد : قوله : ( نفل ) أي أقسم بينهم ، والنفل : العطية التي تفضل ، كذا كان الأصل ، وإنما تفضل الله عز وجل بالغنائم على عباده ، قال لبيد : إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريث وعجل وقال جل جلاله له : ( يسألونك عن الأنفال ) ، ويقال : نفلتك كذا وكذا ، أي أعطيتك ، ثم صار النفل لازما واجبا . ( 3 ) من الكامل